القاعدة ….. و تجربة اخرى في سوريا

القاعدة ….. و تجربة اخرى في سوريا

منذ بداية الحراك الشعبي المسلّح الذي شكّل معالم الثورة السورية بعد عام من القتل و الدمار و التشريد حيث تم جرّ الغالبية لحمل السلاح في ظل أشد أنواع التنكيل و القتل و الاغتصاب من قبل هذا النظام المجرم و لم يتوقف  عند هذا الحد بل بدأ بقصف الأحياء السكنية بشكل عشوائي مدّعيا وجود ارهابيين هنا و هناك

لا يخفى على أحد منّا وجود تنظيم القاعدة في بداية الحراك المسلّح و خصوصا في حلب متمثلا بجبهة النصرة التي لم تكن تعلن أبدا أنها تنظيم قاعدة رغم أن العديد من المؤشرات كانت تدل على ذلك حيث تم الاعلان بعد فترة لا بأس بها من بداية عملها في الحراك المسلّح في قلب مدينة حلب في حي صلاح الدين حيث كان أول ظهور لها عن طريق مجموعة صغيرة استمرت حتى بدأت تتوسّع أكثر فأكثر و زادت شعبيتها من خلال عملياتها الكبيرة و المتقنة ضد النظام المجرم حيث استقطبت العديد من الشباب السوري الملتزم لما عرف من أخلاقيات عناصر هذا التنظيم و قتاله الذي يتخذ شكلا عقائديا مبني على الايمان و مع اشتداد المعارك كان لجبهة النصرة عمليات كبيرة كتفجير مشفى الحياة الذي كانت تتخذه قوات النظام كثكنة عسكرية و تفجير نادي الضباط في ساحة سعد الله الجابري….
اعلام الثورة غض الطرف عن كون جبهة النصرة تتبع للقاعدة محاولا اثبات  تلك المقولة الفارغة و التي تقول بأن “العالم لن يساعدنا اذا اكتشف وجود تنظيم القاعدة كأحد أطراف الثورة المسلحّة و بأن الثورة ستخسر شعبيتها مما يعتبر وجود تنظيم القاعدة في الثورة هو اثبات رواية النظام بادعائه أن ما يتعرض له هو حملة من ارهابيين يريدون تخريب البلد”
و ما ساعد على ذلك هو الاعلام الذي اتبعته جبهة النصرة حيث ابتعدت كثيرا عن التصريحات و البيانات و اكتفت بتبني عمليات فقط دون التطرق إلى أفكار التنظيم أو ما شابه ذلك حيث اقتصر عملها بالخفاء و دون الحديث كثيرا عن انجازاتها
اسم جبهة النصرة ارتبط بذهن الشعب عامة بالعمليات الموجعة للنظام و الأخلاقيات العالية التي يتمتع بها عناصرها حيث اكتسبت شعبية بين مختلف النخب الثورية العاملة على الأرض ليصبح مكوّن أساسي من مكونات الفصائل المسلحة العاملة على اسقاط هذا النظام المجرم و بدأت شعبيتها بالازدياد و خصوصا بعد تبنيها لمشاريع خدمية مدنية من أهمها مشروع الطحين و محاولة تأمين عمل الأفران في المناطق المحررة في حلب حيث اهتمت جبهة النصرة بالعمل المدني شأنه شأن العمل العسكري بعد وضع يدها على صوامع الحبوب و محاولة استجرار الحبوب و تشغيل المطاحن فقد ساهمت و بشكل مباشر بالحؤول دون وقوع كارثة انسانية في المناطق المحررة عن طريق تأمين الخبز في العديد من الأحياء بالتعاون مع عدد من الجمعيات و المجالس و الهيئات المدنية العاملة على الأرض…
و هو ما يوحي بأن التنظيم قد طوّر من سياسة عمله و لم يعد اسمه مرتبطا بالعمليات العسكرية فقط بل اتخذ عملها في بعض الأحيان شكل  مدني يسعى لخدمة الشعب بطرق شتّى حيث أخذ عملها المدني يتطوّر شيئا فشيئا فلم يقتصر على عمل المطاحن و غيرها بل أيضا اتجه لأعمال أخرى خدمية كاصلاح شبكة الكهرباء و الطرقات و خطوط المياه بالتعاون مع المجالس و الهيئات المدنية و الذي شكّل فيما بعد ما يعرف بالادارة الاسلامية للخدمات العامة  و هي عبارة عن مؤسسة خدمية غير ربحية تعمل على اصلاح شبكات الكهرباء و الماء و غيرها من الخدمات العامة مجانا خدمة للمواطنين في المناطق المحررة في حلب
و تعاونها مع فصائل أخرى بتشكيل الهيئة الشرعية في حلب و التي تعنى بحل القضايا المدنية من سرقة و قتل و اعتداء و غيره من الخدمات المدنية من حل خلافات و احقاق الحق و نصرة المظلوم و محاولة كبح جماح المجموعات المسلحة التي تقوم بعمليات القتل و السرقة و الاعتداء على المدنيين و التي تدّعي انتمائها للثورة و التي تشكلت في ظل فوضى انتشار السلاح و اختراق النظام لبعض الفصائل المسلحة في المناطق المحررة في حلب….
بعد عام و نصف تقريبا من ظهور جبهة النصرة تم انشاء الدولة الاسلامية في العراق و الشام لن نتطرق في الخلافات التي حصلت على كيفية تشكيل هذا التنظيم و الخلافات التي حصلت بين أمير التنظيم البغدادي و أيمن الظواهري و لكن ما حدث هو شق الصف حيث اتجهت مجموعات كبيرة من جبهة النصرة لمبايعة التنظيم الجديد خصوصا من المهاجرين منهم و هذا ما تسبب باضعاف جبهة النصرة نوعا ما و خلق خلافات جديدة بين الفصائل العسكرية
فقد عرف عن التنظيم الجديد هو التشدّد خصوصا لمشروع الدولة في العراق و الشام حيث أعلن منذ البداية بأن مشروعه لن يقتصر على سوريا و انما اقامة دولة اسلامية في العراق و سوريا و الذي يرى فيه بعض الثوّار مشروع خارج اطر أهداف الثورة السورية التي تتبنى اسقاط النظام و اقامة حكم جديد بعيدا عن الدكتاتورية التي اتبعها النظام لأكثر من اربعين عاما في حكم سوريا…
اتسعت رقعة الخلاف على دور تنظيم القاعدة كمساند للعمل المسلح في سوريا لتحرير البلد من نظام مجرم حيث اتخذ بعدا اقليميا و ارتبط بعمل تنظيم القاعدة في العراق أيضا و غيرها من الدول التي يتواجد فيها التنظيم و خصوصا مع بعض الاشكالات و المواجهات المباشرة بين تنظيم الدولة الاسلامية في العراق و الشام و بعض فصائل الجيش الحر و محاولة فرض التنظيم الجديد نفسه كطرف قوي و لاعب أساسي في الثورة السورية و لم تقتصر الخلافات على العمل العسكري حيث أيضا شملت العمل المدني فقد تم تقسيم مؤسسة الادارة الاسلامية للخدمات العامة بعد مبايعة أطراف داخلها للتنظيم الجديد و بات هناك مؤسستان خدميتان الأولى هي الادارة العامة للخدمات و التي تشرف على كامل عملها جبهة النصرة و الأخرى الادارة الاسلامية للخدمات العامة و التي يشرف عليها تنظيم الدولة الاسلامية في العراق و الشام و بالتأكيد لم يقتصر الخلاف على تلك الأمور فقد اهتزت صورة تنظيم القاعدة عند القاعدة الشعبية التي عملت على بنائها جبهة النصرة و أصبح يشكل تنظيم القاعدة مصدر قلق عند البعض و خصوصا بتبني مشروع خارجي كباقي التجارب التي عاشها التنظيم في مختلف الدول كأفغانستان و العراق و غيرها من الدول التي يتواجد فيها تنظيم القاعدة فقد شهدت تراجع شعبية التنظيم بين محتلف فئات الشعب حتى أن البعض بدأ يرى فيه خطر على الثورة ….فتبني التنظيم الجديد لسياسة الفكر الذي اتبعه سابقا في دول أخرى أثبتت فشل تجربته و محاولة تطبيق نفس التجربة ربما تنتج عنه نفس النتيجة و التي هي العيش في دوامة الحرب التي لن تنتهي و تبني المجتمع الدولي محاربة هذا التنظيم كهدف أساسي و محاولة وضع العراقيل أما أي ادانة للنظام بحجّة محاربة تنظيم القاعدة كما حدث في العديد من الدول سابقا….
ان ما نتج عنه ذلك الانشقاق هو طرفان في تنظيم القاعدة تختلف سياسة كل منهما عن الآخر نوعا ما حيث جبهة النصرة التي طوّرت من أداء عملها و أعطت للمشروع المدني من دعوة و خدمات أهمية موازية للمشروع العسكري الذي تتبناه في سوريا و الذي قد نتج عنه صورة جيدة لتنظيم القاعدة بشكل عام بين مختلف الفئات الشعبية في سوريا…
و بين التنظيم الآخر وهو الدولة الاسلامية في العراق و الشام و التي ربما تتبنى نفس النهج و الطريقة التي يتبناها تنظيم القاعدة  في دول أخرى والتي كانت نتائجه غير جيدة بسبب تبني نهج محاربة الجميع و القوقعة على نفسها كتنظيم له مشروع لا يقبل فكرة الاندماج ضمن أي عمل جماعي يهدف لتحرير البلد و اقامة مشروع اسلامي مشترك مع مختلف الفصائل المتواجدة على الأرض و التي تعمل على اقامة مشروع اسلامي أيضا….
أكبر المفارقات التي ربما يختلف بها تنظيما القاعدة “جبهة النصرة و الدولة الاسلامية في العراق و الشام” هي التفرّد في المشروع الاسلامي…..
حيث تتبنى الأولى مشروع اسلامي يقبل الاندماج مع الآخر و المشاركة و العمل الجماعي الذي يهدف لبناء مشروع حكم اسلامي في سوريا و هو ما تتبناه العديد من الحركات الاسلامية العاملة على الأرض و العديد من فصائل الجيش الحر….
بينما تتبنى الأخرى مشروع اسلامي مستقل لا يقبل الاندماج مع المشاريع الاسلامية الأخرى بل يتبنى فكرة بأنه المشروع الاسلامي الوحيد و على الجميع الانضواء تحته لانجاح المشروع الاسلامي في سوريا……
شقّ الصف داخل تنظيم القاعدة أدى لتراجع نسبة نجاح مشروعه في سوريا و لكنه لم يؤثر كثيرا على النهج الذي تبنته جبهة النصرة فيعد تشكيل الدولة الاسلامية في العراق و الشام أصبح العديد ممن كان يرفض وجود جبهة النصرة يرى فيها التنظيم المقبول على الساحة السورية و الذي من الممكن الاشتراك معه في مشروع اسلامي للحكم في سوريا..

فهل ما نراه على الساحة السورية هو صراع بين الفكر الجديد لتنظيم القاعدة متمثلا بجبهة النصرة و الذي استفاد من تجاربه السابقة في عدّة دول حيث أصبح يتبنى مشروع اسلامي بتميز بتقبله للآخر و قابل للاندماج ضمن مشروع اسلامي مع فصائل أخرى خدمة للمصلحة العامة و خصوصا تبنيه للعمل المدني كعمل أساسي لتشكيل قاعدة شعبية تتقبّل التنظيم و أفكاره
و بين الفكر القديم الذي ما زالت تتبناه الدولة الاسلامية في العراق و الشام و الذي أثبت فشله في دول عديدة المبني على التفرّد في المشروع الاسلامي رافضا المشاريع الاسلامية الأخرى  !!!
و هل من الممكن أن تشهد الساحة اعادة ترتيب الأوراق و محاولة اندماج جديدة لكلا الطرفان ضمن مشروع جديد لتنظيم القاعدة محاولا الاستفادة من الأخطاء التي وقع بها سابقا في دول أخرى للوصول إلى مشروع اسلامي لا يتجاهل المشاريع الاسلامية الأخرى و لا القاعدة الشعبية و يتبنى سياسة تقبل المشاريع الاخرى و محاولة التعاون مع مختلف الفصائل ضمن مشروع اسلامي يوحّد جهود الفصائل العسكرية التي تتبنى المشروع الاسلامي في سوريا !!!!

اترك رد

إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: